21 , مايو 2026

القطيف اليوم

إليك بُني.. "39".. نبضات الدفء في حضرة الشاي

بُني.. 

 إن السعادة الحقيقية، تنشأ وتترعرع داخل الأسرة؛ وما يكون خارجها ليس إلا طيفًا عابرًا، يلوح، كقوس قُزح في سمائها؛ ليمنحها بهجة وقتية. فأيُّ نجاح لا يُكلل بدفء الأسرة لن يستقر في أعماق قلبك، وسيبقى ناقصًا. قد تبدو تفاصيلها أشياء صغيرة في نظرك -ربما كذلك-، لكنها في الحقيقة كل شيء.

 أعطيك مثلًا، من الأشياء الجميلة التي تتجه إليها بعض الأسر، الجلوس في حضرة الشاي والقهوة بعد تناول وجبة الغداء، والتي اتخذوها عادة يومية، لا تخلو من الفائدة بأشكالها المتنوعة، ناهيك عن أثرها النفسي العميق في ذوات أفراد الأسرة. إن جلسة الشاي مع الأسرة لها تأثيرها الإيجابي في حياتك، فلا تُفوّت هذه الفرصة، ولا تجعلها خارج أولوياتك. ستكتشف حين تكبر أنها دقائق معدودات، ولكن لها مفعولها المبهر في ذاتك؛ لتسهم في تكوينك النفسي والعقلي والاجتماعي.

بُني.. 

 يُحدثني صاحبي، أنه يُعطي هذه الجلسة أولوية كُبرى في حياته، فتجده يقتنص هذه الدقائق؛ لتقديم الفائدة لأسرته؛ وذلك من خلال سرد قصة، أو مُناقشة موضوع، أو السؤال عن تفاصيل يومياتهم، ناهيك عن التودد واللطف، الإشباع العاطفي الذي ينثره عليهم. لقد فتح عيني على قيمة هذه اللحظات، فأخذت أتأملها. وحينها، قُلت: لقد صدق صاحبي! نحن نظن أن السعادة تكمن خارج الأسرة، فنسعى بكل من نملك من إرادة في سبيل تحقيق ذلك، ولكن حقيقتها تنبع من الأسرة، وما خارجها يقع في دائرة النجاح العملي والاجتماعي، أكان في العلاقات الاجتماعية أو سواها، مما يُحيط به في الواقع.

 لذلك، لا تهمل هذا الأمر مهما نجحت، ومهما تقدمت، ومهما ارتقيت في سُلّم النجاح. اجعل نبضاتك تمرُّ من خلال الأسرة، أدر طرفك إليها، تعلّق بشغافها، واستنطق مكنوناتها. أتعلم أن النظر إلى والديك بحنان، ولُطف، وتأمل، يُرطب أوجاعك، ويُبلسم ما يئنُّ بداخلك، ويفتح لك أبواب التوفيق، لماذا؟ لأن هذه النظرة ليست كالنظرات العابرة، بقدر كونها علاقة رُوحية، تربط قلبك بقلبيهما. وهذا ينطبق على أختك وأخيك، واحتواء بعضكم البعض. 

بُني.. 

 كان صاحبي الآخر، يُحرك أصابعه في عينيه، وكأنها ترتعش. عيناه مُحمرتان، تقدمت نحوه أناغيه؛ لأعرف سبب هذا الوجوم المزدحم على وجنتيه. فتح قلبه لي، يُخبرني عن فجوة أسرية، يُعاني منها؛ إنه يهفو إلى الحديث مع أسرته، لكن كل منهم مشغول بذاته، لا يجتمعون إلا على مائدة الطعام، وبعدها لا تجد أحدًا حواليك، وإن تلاقوا فإن الحديث، هو الحديث الاعتيادي الجاف، الغير نابض بالحياة، كتلبية الاحتياجات. 

 عكس ما أخبرتك به عن صاحبي الأول. لقد أحسست بالغصة تخنق الكلمات في حُنجرته، وهو يقول: كم أشتهي التحدث معهم! أن أناقشهم في أمور حياتهم، أن أكون حكواتيًا، يروي لهم حكايا صباي، وأفيض عليهم بما أعرف، وما أتمتع به من خُبرة في الحياة، والذي فيها نفعهم. هذا الوضع قد تراكم مُنذ سنوات، ولم أحب أن أنكأ جراحه بمعرفة التفاصيل، إضافة أني لا أحب التطفل على حياة الآخرين، واقتحام خُصوصياتهم، لذا اكتفيت بأن قدمت له النصيحة بالتقرب منهم، والبحث عن الأشياء التي يُحبونها، فإنها نوافذ قلوبهم، وأن يخطو لهم خُطوات حنونة، تنظر إلى الجميل القادم الذي يتمناه.

بُني.. 

 لقد سردت لك قصتين؛ لأهمس في أذنيك بأن الأسرة، هي الدفء الذي تحتاجه بكل تفاصيلك، وهي الأولى في سلّم أولوياتك. فاصنع يومك بينهم، وانطلق من خلاله -الدفء- إلى خارج زوايا أسرتك. إن الحياة، هي القيمة الحقيقة لما تشعر به أثناء تواجدك معهم. جلسة الشاي، انسج منها حكاية حُب، وهمس مشاعر، تُحكى، وتُحس بالصمت؛ لتشعل قنديل ظلك، وكأنه قرطاس، تكتب فيه ذكرياتك، أبطالها من تُحبهم ويُحبونك، فلا تجعلهم ذكريات عابرة في حياتك، وهم كنه الحياة وبُستانها.


error: المحتوي محمي